الشنقيطي
96
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وبين العتق والطلاق ، لأنّ الظّهار فيه كفّارة فهو يمين تنحلّ بالاستثناء ، كاليمين باللّه والنذر ، ونقله ابن قدامة في المغني عن أبي موسى ، وجزم هو به . * * * المسألة الرابعة : لو فعل المحلوف عن فعله ناسيا ، ففيه للعلماء ثلاثة مذاهب : الأول : لا حنث عليه مطلقا ، لأنّه معذور بالنّسيان ، واللّه تعالى يقول : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ [ الأحزاب : 5 ] ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه تجاوز لي عن أمّتي الخطأ والنّسيان ، وما استكرهوا عليه » ، وهذا الحديث وإن أعلّه الإمام أحمد ، وابن أبي حاتم ، فإنّ العلماء تلقّوه بالقبول قديما وحديثا ، ويشهد له ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة « أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لمّا قرأ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [ البقرة : 286 ] ، قال اللّه نعم » ومن حديث ابن عباس : قال اللّه « قد فعلت » وكون من فعل ناسيا لا يحنث هو قول عطاء ، وعمرو بن دينار ، وابن أبي نجيح ، وإسحاق ، ورواية عن أحمد ، كما قاله صاحب المغني ، ووجه هذا القول ظاهر للأدلّة الّتي ذكرنا . الثاني : وذهب قوم إلى أنّه يحنث مطلقا ، وهو مشهور مذهب مالك ، وبه قال سعيد بن جبير ، ومجاهد والزهري وقتادة ، وربيعة وأبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي ، كما نقله عنهم صاحب المغني ، ووجه هذا القول عند القائل به أنّه فعل ما حلف لا يفعله عمدا ، فلمّا كان عامدا للفعل الّذي هو سبب الحنث لم يعذر بنسيانه اليمين ، ولا يخفى عدم ظهوره . الثالث : وذهب قوم إلى الفرق بين الطلاق والعتق وبين غيرهما ، فلا يعذر بالنسيان في الطلاق والعتق ، ويعذر به في غيرهما ، وهذا هو ظاهر مذهب الإمام أحمد ، كما قاله صاحب المغني قال : واختاره الخلال ، وصاحبه ، وهو قول أبي عبيد . قال مقيّده عفا اللّه عنه : وهذا القول الأخير له وجه من النظر ، لأنّ في الطلاق والعتق حقّا للّه وحقّا للآدميّ ، والحالف يمكن أن يكون متعمّدا في نفس الأمر ، ويدّعي النسيان لأنّ العمد من القصود الكامنة الّتي لا تظهر حقيقتها للناس ، فلو عذر بادّعاء النسيان لأمكن تأدية ذلك إلى ضياع حقوق الآدمييّن ، والعلم عند اللّه تعالى . * * * المسألة الخامسة : إذا حلف لا يفعل أمرا من المعروف كالإصلاح بين الناس ونحوه ، فليس له الامتناع من ذلك ، والتعلّل باليمين بل عليه أن يكفّر عن يمينه ، ويأتي الّذي هو خير لقوله تعالى : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ [ البقرة : 224 ] الآية ، أي لا تجعلوا أيمانكم باللّه تعالى مانعة لكم من البرّ ، وصلة